ح. الأسمر- h.alasmar
ملاذ تخيلي للكاتب الصحفي حلمي الأسمر
– أبي "يتولدن"!

رسالة اليوم من نوع خاص جدا، تقطر ألما وحسرة، تذكرك فورا بقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه، حيث كان الإبن في جهة، فيما أبوه في جهة أخرى مضادة، علما بأن الدور التقليدي أن يكون الأب قدوة لأبنائه،  ولكن هذا لم يمنع إبراهيم أن يقول لأبيه وهو يراه وقومه يعيشون في الضلال متخذين "أَصْنَاماً آلِهَةً.. إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ" كما ورد في سورة الأنعام74، وكذا في سورة الممتحنة 4 (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) !!

وفي هاتين الآيتين جواب على سؤال إحدى القارئات، التي كتبت تشكو من "ولدنة" أبيها، وارتكابه حماقات المراهقين، وضلالات الشباب الطائش، علما بأنه تجاوز الأربعين بقليل، كما تقول، ولم يزل يقترف أفعالا لا تتناسب مع كونه أبا لشابتين ومراهقين، ومنهم من هو على أعتاب الزواج!

سؤال الصبية تمحور حول كيفية التعامل مع رجل أب كبير وناضج، يسلك سلوكا غير متزن، كمغازلة النساء على هاتفه الخلوي، ومطارحة بنت الحان، كما تقول، أي شرب الخمر، وأحيانا لعب القمار والتردد على النوادي الليلية، وتسأل عما إذا كان من المناسب أن تبوح لأمها بضلالات أبيها، خاصة وأنها تخشى أن تطلع أمها بنفسها على هذه الضلالات، لأن "الوالد" تمادى فيها، الغريب هنا أن الأم لا تدري عن هذا السلوك شيئا، فهي سيدة عاملة، تعود إلى بيتها "مهدودة" الحيل من عملها، فلا تقوى على السهر، تنام مبكرا وتسري مبكرا، غارقة في مسؤولياتها، فيما السيد الوالد يصول ويجول، بعيدا عن رقابتها، بل إنها تنظر إليه بقدسية واحترام باعتباره "سي السيد" الذي يفني عمره في جلب المال لتربية الأولاد و"السهر" على مصلحتهم، ولا تدري الصبية ما إذا اقتصرت ضلالات الوالد على ما تعرف، فعمله –كما يقول طبعا!- يقتضي النوم أحيانا خارج المنزل، وهي لا تعلم ماذا يفعل، ولا أين يذهب، قارئتنا مشفقة على "قدوتها" المفترض من سوء العاقبة، وقلقة ايضا على مستقبل الأسرة، ومستقبلها هي وشقيقتها، فمن سيتزوج ابنة أب سيء السمعة، مع أنها وشقيقتها يرتديان الحجاب، ويحافظان على قيم الأمة وسلوكياتها الأخلاقية، وكذا شقيقاقاهن إلى حد ما كما تقول، وأقول لصاحبة الرسالة، أن عليها أن لا تخبر والدتها بما يقترف والدها، لأنها لا تضمن سلوك "الزوجة" وغيرة المرأة في أمها، وقد تفجر الموقف على نحو درامي، فتتهدم أركان الأسرة كلها، بل عليها أن تلجأ لمن يؤثر على أبيها من أقارب أو أصدقاء أو معارف، فهم الأقدر على مفاتحته في هذا الأمر ودعوته للاعتدال، وربما عليها ايضا أن تحادثه هي بالحسنى، دون أن تستفزه، إن استطاعت هذا، ومن ثم تستغفر له عما هو فيه من ضلال، كما فعل إبراهيم عليه السلام، من استغفار لأبيه ودعوته للاستقامة، والعودة وقومه عن الضلال، مع مصاحبته في الدنيا معروفا، إن استمر على ما هو فيه!

سأصارح صاحبة الرسالة، فيما هي فيه من ابتلاء عظيم، فقد لا يرتجى من هذا الوالد إصلاح إلا أن يتولى الله عز وجل هذه الأسرة برحمته، فقد تأخذه العزة بالإثم، ويجاهر بما يفعل باسم "الحرية الشخصية" و"أنا حر أفعل ما أشاء" لهذا عليها أن تأخذه هي أو من سيفاتحه باللين والهدوء، وأن تستر عليه، فهو إن شعر بالفضيحة لن يبقى ما يخاف عليه، فيفجر ولا يعود حريصا على أن يجتهد في سرية أفاعيله، والله المستعان!

helmi@nabaa.net



Powered by ScribeFire.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية